الشيخ محمد رشيد رضا

377

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

نعم دلت السنة على أن دعاء المؤمن لغيره قد ينفعه ، لكن ثبت في الصحيح ان النبي ( ص ) دعا اللّه وسأله ان لا يجعل بأس أمته بينها فلم يعطه ذلك ، وثبت أيضا انه ( ص ) كان حريصا على ايمان عمه أبي طالب وان اللّه أنزل عليه في ذلك ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) وثبت أيضا ان لكل نبي مرسل دعوة واحدة مستجابة قطعا ، فما عداها بين الرجاء والخوف ، ولذلك خبأ ( ص ) دعوته ليشفع بها يوم القيامة . فتعلم بأمثال هذه الأحاديث الصحيحة التي أشرنا إليها ، والآيات التي ذكرنا بعضها ، أن دعاء غيرك لك لا يطرد نفعه مهما كان الداعي صالحا ، فهل يكون شخص غيرك وسيلة وقربة لك إلى اللّه وان لم يدع لك ؟ هذا شيء لا يدل عليه كتاب ولا سنة ولا عقل ، ان جاز ان يحكم العقل في قربات الشرع . فالعمدة في تقرب الانسان إلى اللّه وابتغاء مرضاته وحسن جزائه هو ايمانه وعمله لنفسه . فإذا أنت لم تعمل لنفسك ما شرعه اللّه لك وجعله سبب فلاحك ، ولم يدع لك غيرك بذلك ، فكيف تكون قد ابتغيت إلى اللّه الوسيلة ؟ وهل تسميتك بعض عباد اللّه المكرمين وسيلة ، أو طلبك منه بعد موته ان يشفع لك - أي يدعو لك - يعد امتثالا منك لأمر اللّه تعالى ( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) ؟ كلا ! إن الطلب من الميت غير مشروع ؟ وإذا فرض انه مشروع ومسموع ، فلا يمكن ان يعلم هل كان مقبولا أم غير مقبول ؟ فان ذلك من أمر الآخرة الغيبي ، « وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ » وحده ، ومنه امر الشفاعة فهي لا تنال بالسؤال هنا وانما تفوض اليه تعالى ( قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً . - مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ؟ - وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) فسنة الفطرة في الدنيا أن الانسان لا يشبع إذا أكل عنه والده أو أستاذه أو أحد الصالحين ، ولا يشفى من مرضه إذا ترك الدواء وشربه غيره عنه ، ولا تؤثر في نفسه أو تظهر في أعماله أخلاق غيره ، فإذا كان النبي أو الولي الذي يتكل عليه جوادا سخيا شجاعا أمينا ، لا ببذل هو المال بذلك السخاء ، ولا النفس بملك الشجاعة ، ولا يؤدي الحقوق لي أهلها بتلك لأمانة ، لان أعماله تصدر عن أخلاقه لا عن أخلاق الرسول أو الولي الذي يتكل عليه . فإذا كان من سنة الفطرة في الدنيا ( تفسير القرآن ) ( 48 ) ( الجزء السادس )